ابن ميثم البحراني
287
شرح نهج البلاغة
المطلق للكلّ . وقد رسّم الحسد بأنّه اغتمام الإنسان بخير يناله غيره من حيث لا مضرّة منه عليه ، وقد يوجد الحسد ممّن له نفع ما من المحسود ، ويسمّى الحسد البالغ . وأمّا تعليله وجوب تركه بأنّه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب : فاعلم أنّ العلماء قد اتّفقوا على أنّ الحسد مضرّ بالنفس والجسد : أمّا بالنفس فلأنّه يذهلها ويغرق فكرها بالاهتمام بأمر المحسود حتّى لا يفرغ للتصرّف فيما يعود نفعه عليها بل وينسى ما حصلت عليه من الملكات الخيريّة الَّتي هي الحسنات المنقوشة في جوهرها ويضمحلّ على طول تعوّد الحسد واشتغال الفكر فيه وطول الحزن والهمّ لأنّ نعم اللَّه على عباده أكثر من أن تحصى فإذا كان الحسد بها دام فانقطع وقت الحاسد به عن تحصيل الحسنات ، وأمّا بالجسد فلأنّه يعرض له عند حدوث هذه الأعراض للنفس طول السهر وسوء الاغتذاء ويعقّب ذلك رداءة اللون وسوء السجيّة وفساد المزاج . إذا عرفت ذلك فنقول : إنّه قد استعار هاهنا لفظ الأكل لكون الحسد ماحيا لما في النفس من الخواطر الخيريّة الَّتي هي الحسنات ومانعا من صيرورتها ملكات وذلك بسبب استغراقها في حال المحسود واشتغالها به ، وشبّه ذلك بأكل النار الحطب . ووجه الشبه ما يشترك فيه الحسد والنار من إفناء الحسنات والحطب واستهلاكهما . الحادي عشر : النهى عن التباغض وتعليله ذلك بأنّها الحالقة ، واعلم أنّه لمّا كان أمر العالم لا ينتظم إلَّا بالتعاون والتضافر ، وكان التعاون إنّما يتمّ بالألفة وكان أقوى أسباب الألفة هو المودّة والمؤاخاة بين الخلق كانت المودّة من المطالب المهمّة للشارع ، ولذلك آخا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، بين أصحابه لتخلص محبّتهم وتصفو ألفتهم ويصدق بينهم التعاون والتضافر والاتّحاد في الدين ، وقال صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : المرء كبير بأخيه ولا خير في صحبة من لا يرى لك من الحقّ مثل ما ترى له . فلذلك كان التباغض بينهم منهيّا عنه مكروها في الشريعة لما يستلزمه من التقاطع بينهم وعدم تعاونهم وتضافرهم ، وبسبب ذلك تتخطَّف كلَّا منهم أيدي حاسديه وتتحكَّم فيه أهواء أعاديه فلم تسلم له نعمة ولا تصفو له مدّة بل يكون بذلك بواره واضمحلال النوع وهلاكه ، ولذلك قال عليه السّلام : فإنّها الحالقة . وأصل هذا اللفظ مستعار ممّا يحلق الشعر كالموسى ونحوها للدواهي و